جعفر عبد الكريم صالح


    أحزاب "الإسلام السياسي".. قِصَّة فَشَل تاريخي!

    شاطر
    avatar
    جعفر الخابوري
    Admin

    عدد المساهمات : 316
    تاريخ التسجيل : 27/07/2013

    أحزاب "الإسلام السياسي".. قِصَّة فَشَل تاريخي!

    مُساهمة من طرف جعفر الخابوري في السبت أغسطس 17, 2013 12:43 am

    أحزاب "الإسلام السياسي".. قِصَّة فَشَل تاريخي!

    مصطلح "الإسلام السياسي" يَدُل على معانٍ عدة، أهمها أن الإسلام (دِينًا) ينطوي ويشتمل على جُمْلَة من "المبادئ (والمفاهيم والأحكام) السياسية"، التي بعضها على هيئة "النص"، وبعضها يأتي به "فقهاء"، أو يتأتى من طريق "التأويل"، أيْ من طريق البحث عن "المعاني الخفية" وراء "المعاني الظاهرة" في الكلام الديني، أو النصوص الدينية؛ ولا بد للمشتغلين بتسييس الدين من أنْ يتوفروا على إقامة الدليل للعامة من المسلمين على أن القضايا والأمور والشؤون السياسية جميعًا لا تُسْتَثْنى من الدين، أو من "حُكْم الشَرع"، أو ما يشبهه، منزلةً، وينبغي لهم (أيْ للعامة من المسلمين) أنْ يعتادوا فَهْمَها وتفسيرها دينيًّا، وأنْ يَقِفوا من كل أمْرٍ سياسي يعنيهم موقفًا دينيًّا، وكأن ميزان "الحلال والحرام" الديني (الإسلامي) يَصْلُح، أيضًا، لوَزْن "الموقف السياسي"، للفرد، أو الجماعة، به.
    وفي "التصويت"، على وجه الخصوص، نرى "الثمرة المُرة" لِما بذلته قوى "الإسلام السياسي" من جهد في تسييس الدين، والذي هو تسييس يتفاوت سوءًا بين هذه القوى، التي بعضها يتمادى فيه بما يجعل ضحاياه في "ظلامية سياسية تامة".
    "المُصوت"، الذي نفثوا في روعه أن تصويته إما أنْ يكون من "الحلال" وإما أنْ يكون من "الحرام"، مع ما يعنيه له "الحلال" و"الحرام"، دنيا وآخرة، لن يمارِس من "إرادته (الانتخابية والسياسية) الحُرة" إلا ما يشبه "الظلال" منها؛ أنه "يملك" صوته؛ لكن غيره، أيْ المشتغلين بتسييس الدين، وتديين السياسة والتصويت، هو الذي "يَسْتَعْمِل (ويَسْتَخْدِم)" صوته بما ينفعه ويفيده هو، وبما يعود بالضرر والأذى (على ما ثَبت وتأكد في تجارب عِدة) على "صاحب الصوْت"، فَيْصلى هذا بالنار الكبرى في دنياه، ليَنْعَم ذاك بالجنة الأرضية!
    بهذا التسييس للدين، أو التديين للسياسة والانتخابات، تَفْسُد كثيرًا "الإرادة الحُرة" للناخب، أو المُصوت؛ فَمَنْ ليس مع "الإسلام السياسي"، على وجه العموم، هو، حتمًا، مع "الفسطاط الآخر"، وما أدراكَ ما "الفسطاط الآخر"!
    الأمْر إنما يحتاج إلى "إصلاح ديني"، يتجشمه مفكرون إسلاميون من نمط مارتن لوثر، فيأتون إلى العامة من المسلمين بما يجعلهم مُقْتَنِعين بأن النأي بـ"السياسة (وعالَمِها، وشؤونها كافة)" عن "الدين (الإسلامي)" هو من الدين، أصلًا وأساسًا وجوهرًا، ومن الإيمان الديني القويم؛ وأحسبُ أن فَتْح باب الاجتهاد (في هذا الأمر) على مصراعيه، مع تَكَلل هذا المسعى بهذه "الثمرة الطيبة (دينيًّا وسياسيًّا)"، هو مهمة تَتَحَدانا "الحضارة السياسية" و"الديمقراطية" أنْ نُنْجِزها الآن؛ فعندئذٍ فحسب نستطيع النأي بـ"صندوق الاقتراع" عن ميزان "الحلال والحرام"، ويستطيع الناخِب، أو المُصوت، أنْ يَنْظُر إلى كل شأنٍ سياسي يعنيه بعينٍ يَقِظَة لا تغشاها أوهام، فيُعيد وَصْل ما انفصل بين مصالحه وحقوقه وبين صوته.
    لا جدال في أن "الإرادة الحُرة" للشعب (أو للأمة) هي الأصل والأساس في النظام الديمقراطي؛ لكن أليس ممكنًا أنْ يُعبر الشعب (وعَبْر "صندوق الاقتراع" الشفاف والذي لا ريب في نزاهته وسلامته) عن "إرادته الحُرة" بما يأتي بنظام حكم منافٍ للمبادئ والقِيَم الديمقراطية، أو بما يؤسس لدولة ليست مِنْ جِنْس "الدولة المدنية الديمقراطية"؟
    وهذا "التناقض" يمكن أنْ نراه، على وجه الخصوص، في مجتمعنا العربي (الإسلامي) فالغالبية الشعبية الانتخابية (الحُرة تمامًا في إرادتها، وفي تصويتها) يمكن أنْ تُمَكن حزبًا دينيًّا إسلاميًّا من الوصول إلى السلطة، ومن إحكام قبضته على الدولة وسلطاتها ومؤسساتها، ومن "أسْلَمة" كل مناحي وأوجه حياة المجتمع؛ وهل من "ديمقراطي واقعي" يستطيع إنكار أن غالبية الناس عندنا تُؤْمِن إيمانًا لا يتزعزع بأن "الإسلام هو الحل (لكل مشكلاتنا)"؟!
    حتى الفشل (والفشل الذريع) الذي مُنِيَت به تجارب إسلامية عدة في الحكم، يُفْهَم "شعبيًّا" على أنه دليل (أو دليل سلبي) على أن "الإسلام هو الحل"؛ فالذي فَشِل، على ما تعتقد العامة من المسلمين، إنما هو "صاحب التجربة"؛ ولقد فشل؛ لكونه أساء فَهْم الأمور، وإدارة الشؤون، بما يوافق "الإسلام الحقيقي"، الذي يشبه "جوهر" الشيء عند كانط؛ و"جوهر" الشيء، عند هذا الفيلسوف، هو أمْرٌ يستحيل على البشر إدراكه!
    وأحسبُ أن هذا "التناقض (أو هذا الإشكال)" لا يُحَل بعبارات من قبيل "الشعب جاهل"، أو "لا يعي مصالحه الحقيقية"، أو "مُسَير من الداخل بوعيٍ لا يسمح له بوعي حقوقه ومصالحه"، أو "يتوهم أنه حُر في إرادته واختياره"، أو "يستخذي لقوى فكرية يكفي أنْ يستخذي لها حتى يتصرف بما يجعله عدوًّا لدودًا لنفسه".
    وأحسبُ، أيضًا، أن "الشرعية" في الحكم، أو "الشرعية السياسية" على وجه العموم، ليست كمثل "الشرعية" في "الفيزياء"؛ فهي إنما تُسْتَمَد من "الشعب بما هو عليه من وعي وثقافة وشعور وإرادة.."؛ فكما تكونوا يُولى عليكم؛ وليس من حكومة إلا وتشبه شعبها (أو مجتمعها) مهما تعالت الأسوار بينها وبينه.
    "التناقض" إنما يُفسر ويُحَل، على ما أرى، في القول الآتي: كل نظام حكم ديمقراطي يجب أنْ يَصْدُر عن "الإرادة الحُرة" للشعب؛ لكن ليس كل ما يَصْدُر عن "الإرادة الحُرة" للشعب يجب أنْ يكون نظام حكم ديمقراطي.
    وأحسبُ أن من الأهمية بمكان أنْ نتمثل معنى هذا القول حتى نُحْسِن فَهْم وتفسير كثيرٍ من "الخِلال" و"السلبيات" التي نراها في تجربة ثورات "الربيع العربي"، والتي لم تنتهِ بَعْد.
    وللذين يدينون ببمبادئ وقِيَم الديمقراطية (الغربية، والتي منها "العلمانية") أقول إنكم لا تستطيعون إسباغ (و"إسباغ" هنا بمعنى "فَرْض") نِعْمة الديمقراطية (الغربية) على مجتمعاتنا من غير أنْ تُقَوضوا بأنفسكم الديمقراطية نفسها؛ فماذا يبقى من الديمقراطية إذا ما سعيتم في إكراه الناس على الأخذ بمبادئها وقِيَمها (الغربية والتي تزداد عالميةً)؟!
    "الدين" بَيِّنٌ و"الدولة" بَيِّنة، وبينهما أُمور متشابهات لا يَعْلَمها كثير من الناس؛ وينبغي لنا جميعًا الحَذَر من الوقوع في الشبهات؛ ولقد وَقَع بعضنا في الشبُهات إذْ قال (جاعِلًا كثيرين من العامة من المسلمين يقولون معه) بوجود، وبوجوب وجود، "نظام سياسي إسلامي (خالص)"، عابر للتاريخ، لا عابِر تاريخيًّا؛ وكأن التاريخ لم يكن شاهِدًا على أن كل النظُم السياسية (وغير السياسية) هي نُظُمٌ عابرة، يتخطاها التاريخ، الذي لم يَعْرِف، ولن يَعْرِف، نظامًا سياسيًّا يتخطَّى التاريخ، ولا يتخطَّاه التاريخ.
    إن أول ما ينبغي لنا حَسْم أمره، في أذهاننا السياسية؛ لأنه محسوم في العالم الواقعي للسياسة، هو أنْ لا وجود الآن، أيْ في زماننا، لـ"حُكْمٍ إسلامي"، يقوم على "مبادئ سياسية إسلامية خالصة"، وإنْ وُجِدَ (أو ظل ممكنًا الوجود) حُكْمٌ (أو نظام حُكْم، أو نظام سياسي) يَنْسِبَهُ أصحابه إلى "الإسلام"، ويُلْبِسونه (من طريق الاجتهاد والتأويل) لبوس "الإسلام"؛ فَلْنُمَيز "الحُكْم الإسلامي من "حُكْم الإسلاميين".
    الأمر يلتبس علينا، ويختلط؛ لأن طُلاب الحُكْم (أو السلْطَة) في عالمنا العربي والإسلامي يجتهدون دائمًا في انتزاع مبادئ وطرائق ومفاهيم للحُكْم من أمكنة وأزمنة مختلفة؛ لكنها تَصْلُح، على وجه العموم، ولأسباب واقعية، لابتناء نظامٍ سياسي (عندنا) منها، فيتوفرون، من ثم، وبمعونة "مُفَكرين إسلاميين"، على كَسْو هذه "العِظام" الأجنبية، أو العالمية، "لَحْمًا (أو شيئًا من اللحْم)"، هو كناية عن "مفردات" و"عبارات" و"تسميات".. إسلامية، وإنْ تَسَبب عملهم هذا بكثير من التنافُر بين "محتوى (جُله له مثيل عند غيرنا)" وبين "تشكيلهم له تشكيلًا إسلاميًّا"، أيْ وَضْعِهم له في شكلٍ، أو قالَبٍ، إسلامي.
    إن "الأَسْلَمَة" ليس إلا، هي "حقيقة" جماعات وأحزاب "الإسلام هو الحل"؛ وكأن التعبير عن "المشكلات نفسها"، و"الحلول نفسها"، بـ"لغة إسلامية" يكفي للقول بشعار "الإسلام هو الحل"؛ فأين هي الآن "المشكلة الكبرى" التي أَعْجَزت غيرنا عن حلها، ولَمْ تُحل إلا على أيدي أصحاب هذا الشعار، والقائلين به؟!
    وفي "العولمة"، وبها، تتسِع، في استمرار، دائرة المشكلات المتشابهة المتماثلة بين الدول والشعوب كافة، وتتسِع معها دائرة الحلول المتشابهة المتماثلة؛ والدين، أي دِين، ليس في وسعه إلا أنْ يقف على الحياد من هذه المشكلات وحلولها، لأنها تَقَع في الخارج من نصوصه، ومن معانيها الحقيقية؛ فإن لكل عصرٍ ما يُميزه من "المشكلات"؛ أما "الحلول" فهي "بَنَات" المشكلات نفسها.
    لقد سعى القائلون بشعار "الإسلام هو الحل" إلى حل بعض المشكلات في مصر؛ ولو نجحوا في حلها لأقاموا الدليل بأنفسهم على أن "حلولهم الناجحة الناجعة" ليس فيها ما يمت بصلةٍ جوهرية إلى هذا الشعار، وأن كل ما فعلوه لا يتعدى التعبير عن هذه الحلول الواقعية (المجربة والمُخْتَبَرة في أماكن أُخْرى) بلغة إسلامية.
    إن واقع مصر الجديد، أيْ الذي خلقته ثورة الخامس والعشرين من يناير، لا يتَحَداهم على "الأَسْلَمَة اللغوية" للمشكلات وحلولها، وإنما يَتَحَداهم على قبول الحياة الديمقراطية بصفة كونها جُمْلَة من المبادئ والقِيَم التي تَتحِد اتحادًا لا انفصام فيه مع "الإجرائي" و"الشكلي" منها؛ فإن "الدولة المدنية"، أو "دولة المواطَنَة"، التي هي "دولة الآخر"، في معنى من معانيها الجوهرية، هي السؤال الذي لا بد لهم من إجابته اليوم، وقَبْل غدٍ.
    جماعات "الإخوان المسلمين"، وأحزابها السياسية، مَدْعُوة إلى أنْ تَقْفِز هذه القفزة الكبرى، التي تَعْدِل خروج المرء من جلده، وأنْ تتصالح أولًا (أيْ قبل تصالحها مع "الديمقراطية الإجرائية") مع قِيَم ومبادئ الحياة الديمقراطية العالمية.
    ولعل الدرس الأول والأهم (أو العبرة الأولى والأهم) االذي نستخلصه من تجربة الثورة المصرية هو أن مصر الخارجة تَوًّا من أحشاء عهد مبارك، وبما هي عليه الآن من أحوال سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لن تتقدم في ثورتها، وصولًا إلى "الدولة المدنية الديمقراطية المتصالحة مع الشعب، بحقوقه ومصالحه"، بـ"صندوق الاقتراع (الذي هو على خُلُقٍ ديمقراطي عظيم)" فحسب؛ فلا أهمية لفوز انتخابي لا يُمَكن صاحبه من الحُكْم، ولا أهمية لسلطة تنفيذية مُنْتَخَبَة إذا لم تكن الثورة، التي أخرجتها إلى الوجود، قد أسست لـ"معارَضَة" تُصارِع بطرائق وأساليب دستورية، ومن داخل مؤسسات النظام الديمقراطي.
    إن شيئًا من "الديمقراطية التوافقية" هو ما كان يَلْزَم مصر وثورتها في عهد الرئيس المنتخَب مرسي؛ ففوزه الانتخابي كان يجب أنْ يُفْهَم على أنه دعوة له إلى أنْ يبتني من "الديمقراطية التوافقية (أو من شيء منها)" جسرًا للعبور بمصر وثورتها من "العهد القديم" إلى "العهد الجديد"، أيْ إلى عهد "الدولة المدنية الديمقراطية (التي تلبي للشعب حاجاته التاريخية المختلفة)".
    مصر ليست السويد، ولا أي دولة توطدت فيها "المواطَنَة"، ومؤسسات المجتمع والنظام الديمقراطيين؛ وكان ينبغي لمبدأ "عِشْ كما تُريد، ودَعْ غيركَ يَعِشْ كما يريد، فلا يتطاول أحدكما على الآخر بنمط عيشه" أنْ يَحْكُم حياة المصريين الجديدة، وأنْ يُقوم كل تناقض تطرف طرفاه في التضاد والصراع، فيشعر كل مصري، مهما اختلف عن غيره، ومع غيره، من مواطنيه، أن له مكانًا ودورًا في مصر الجديدة.

    جواد البشيتي كاتب فلسطيني ـ الأردن

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 17, 2017 7:54 pm